المطلب الثالث: الضوابط الموضوعية للاختصاص القضائي في مجال عقود التجارة الدولية

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 


المطلب الثالث: الضوابط الموضوعية للاختصاص القضائي في مجال عقود التجارة الدولية

       وهذه الضوابط مضمونها يتعلق باتصال عناصر المنازعة الموضوعية بإقليم الجمهورية وقد تضمنت النص عليها 30/2 من قانون المرافعات حيث نصت على أن " تختص محاكم الجمهورية بنظر الدعاوى التى ترفع على الأجنبى الذى ليس له موطن أو محل إقامة في الجمهورية إذا كانت الدعوى متعلقة بمال موجود في الجمهورية أو متعلقة بإلتزام نشأ أو نفذ أو كان واجباً تنفيذه فيها.......... "

     من هذا النص يتضح أن م 30 من قانون المرافعات قد عددت الضوابط الموضوعية للاختصاص القضائي في اختصاص محكمة موقع المال أو اختصاص محكمة محل نشأة الألتزام واختصاص محكمة محل تنفيذه، وسنتناول في السياق التالى كل ضابط من الضوابط السابقة على حده بشئ من التفصيل.

أولاً: اختصاص محكمة موقع المال:

      نجد أن هذا الاختصاص طبقاً للمادة 30 مرافعات سالفة الذكر يقضى بأنه إذا تعلق النزاع بمال موجود في مصر هى حالة جالبة للاختصاص للمحاكم المصرية حتى ولو كانت الدعوى مرفوعة على أجنبى ليس له موطن أومحل إقامة في دولة موقع المال.

      إذاً يتضح هنا أن المشرع اتخذ من موقع المال أساساً لعقد الاختصاص للمحاكم المصرية دون نظر لتوافر أى شرط في المدعى عليه، بالإضافة إلى أنه لم يشترط أى شرط في المدعى سواء كان أجنبياً متوطناً أو مقيماً في مصر أوفى الخارج (33)، كما أن عمومية لفظ الأموال يتضح منها أنه لايختص بنوع معين من الأموال وبالتالى الدعاوى بل يشمل جميع الأموال والدعاوى في اختصاصه.

      ويرجع إقرار المحكمة لهذه القاعدة إلى عدة إعتبارات (34) بعضها عملى ومنها، أن محكمة موقع المال هى الأقدر على اتخاذ إجراءات التحقيق والمعاينة الخاصة بالمال. 

والبعض الآخر منها قانونيويتعلق بسيادة الدولة على إقليمها حيث يقضى هذا المبدأ، بخضوع جميع المنازعات المتعلقة بأموال كائنة بها لولاية محاكمها، كما أن قوانين تنظيم الملكية متعلقة بصالح المجموع وليس هناك أحرص من محكمة موقع المال للتطبيق على المنازعات المتعلقة بهذا المال.

والبعض الآخر من هذه الاعتبارات متعلقة بكفالة تنفيذ الأحكام فالدولة لن تعترف بتنفيذ أحكام على أقليمها صادرة من دولة أجنبية لأن، ذلك يتعلق بسيادتها.

يتضح من ذلك أن، هذه القاعدة تقوم على ضابط موضوعى وواقعى إذ يكفى وجود المال بالفعل على إقليم الدولة لتقرير الاختصاص لمحاكمها بصرف النظر عن أطراف النزاع، كما أنه ضابط أقليمى يتحدد بالنظر لإقليم الدولة وضابط خاص لأنه يقتصر على طائفة معينة من المنازعات وهى المنازعات المتصلة بالمال.

ومايجدر بنا الإشارة إليه أنه إذا تعددت أجزاء المال بحيث وقع كل جزء من المال في دولة فإن محاكم الجمهورية لاتختص إلا بالمنازعات المتعلقة بجزء المال الواقع بها (35).

ومايجب التنويه إليه أنه، يكفى لعقد الاختصاص لمحكمة موقع المال أن يكون هذا المال محـلاً للالتزام ولايشترط نشأة الالتزام في دولة المال بل يكفى أن يكون هذا المال محل الالتزام موجود في هذه الدولة(36) فأساس الاختصاص مجرد تعلق الالتزام بمال موجود في الجمهورية.

والعبرة في تحديد موقع المال هو موقع المال وقت رفع الدعوى حتى ولو تغير موقع هذا المال بعد رفع الدعوى تظل محاكم الجمهورية لموقعه الأول مختصة بنظر النزاع، وذلك حتى لاتتاح الفرصة للتحايل على القانون والتهرب من اختصاص المحكمة التى يرى المتحايل أن أحكامها ليست في صالحة(37)

ثانيا: اختصاص محكمة محل نشأة الالتزام أومحل تنفيذه:

تنص م 30/2 مرافعات على أن " تختص محاكم الجمهورية بنظر الدعاوى التى ترفع على الأجنبى الذى ليس له موطن أومحل إقامة بالجمهورية....... إذا كانت الدعوى متعلقة بالتزام نشأ أو نفذ أو كان واجباً تنفيذه في الجمهورية ".

هذه المادة تعقد الاختصاص لمحاكم الجمهورية إذا كان محل نشأة الالتزام   ß  (محل انعقاد التصرف القانوني) أومحل تنفيذ الالتزام   ß   (مكان تنفيذ العقد) في الجمهورية.

فضابط الاختصاص لهذه القاعدة هو محل مصدر الالتزام أومحل تنفيذه وهما ضابطان موضوعيان إقليميان، خاصان يتعلقان بطائفة معينة من المنازعات وهى تلك المتعلقة بالالتزامات(38). دون التقيد بنوع الدعوى. ودون التقييد بشروط خاصة في المدعي أو المدعى عليه(39).

كما أنه لايقتصر هذا الاختصاص على نوع معين من الالتزامات فيمكن أن يكون الالتزام عقدياً أو تقصيرياًً طالما أن إقليم الجمهورية كان محلا لنشأة الالتزام أو محلاً لتنفيذه حتى ولو تعين فقط التنفيذ فيه ضمن شروط العقد ولو لم يتم فعلاً(40).

وعلة ذلك أن، محكمة محل الالتزام هى غالباً الأكثر إلماماً بالظروف والملابسات المحيطة به، وكما هو معروف أن الالتزامات إما إلتزامات تعاقدية وإما إلتزامات غير تعاقدية ونظراً لأننا في مجال العقود فسنقتصر في حديثنا على الالتزامات التعاقدية.

محل الالتزام هو المكان الذى تم فيه العقد، أما عن نشأة الالتزام فإنه يظهر من نص م30 مرافعات أن محاكم الجمهورية تختص بالنزاع لمجرد أن الالتزام نشأ فيها أى أبرم فيها(41). هناك فارق بين مكان تمام العقد في حالة التعاقد بين غائبين عنه في حالة التعاقد بين حاضرين(42).

الحالة الأولى: لو كان التعاقد بين حاضرين:

هذه الحالة لاتثير أدنى مشكلة ويختص قانون البلد بتحديد متى يكون العقد قد تم، ويدخل في هذه الحالة أيضاً التعاقد مع وكيل أحد الطرفين لأنه يمثل موكله داخل مجلس العقد

يتبين مما تقدم أن، محل نشأة الالتزام التعاقدى هو المكان الذى يتواجد فيه طرفى العقد الحاضرين مجلسه أو وكيلهما أو أحد الطرفين ووكيل الآخر ويختص قانون هذا المكان ببيان متى يكون العقد قد تم.

الحالة الثانية: حالة التعاقدين غائبين:

الأمر في هذه الحالة محل خلاف، ولكن يتفق على أن يرجع لقانون البلد الذى تم فيه التعاقد وعملية تماماً التعاقد مسئلة تكييف تخضع للقاضى ويطبق فيها قانونه.

ونظراً لأننا نأخذ القانون المصرى كمثال فإنه يقتضى الأمر بنا أن نوضح ما أجلناه في هذا الشأن.

القانون المصرى مثلاً وفقاً للمادة 97 من القانون المدنى فإنه يأخذ بنظرية العلم بالقبول والتى تنص على أن " العقد مابين غائبين يعتبر أنه قد أبرم في المكان الذى علم فيه الموجب بالقبول مالم يوجد اتفاق أو نص يقضى بغير ذلك " ولايهم بعد ذلك إن كان العقد قد نفذ أو كان واجباً تنفيذه بالخارج(1).

أما عن تنفيذ الالتزام فإن تنفيذ الالتزام العقدى يتحدد معناه وفقا لقانون القاضى، حيث ينعقد الاختصاص لمحاكم الجمهورية إذا تعلقت الدعوى بالتزام عقدى وكانت الأخيرة (محاكم الجمهورية) محل تنفيذه سواء كان قد نفذ بالفعل أولم يتم بعد. ويرجع في تحديد معنى الألتزامات العقدية لقانون القاضى خاصة إذا تعلق الأمر بتفسير قاعدة من قواعد الاختصاص الوطنية.

ومايجدرالإشارة إليه أن، المشرع لم يفرق بين العقود المدنية والعقود التجارية، فتختص محاكم الجمهورية بنظر النزاع إذا أبرم العقد أو نفذ أو كان واجب التنفيذ في الجمهورية سواء كان عقداً مدنياً أم تجارياً.

ولكن مايجدر الإشارة إليه أن المشرع المصرى هو الذى وضع هذه القاعدة وتبنى هذا الاتجاه على خلاف القانون الفرنسى، وحكمته في ذلك أن، إذا كانت المواد التجارية تقتضى حلولاً موضوعية تختلف عن التى تستلزمها المدنية إلا أن قواعد الإسناد أو قواعد تنازع القوانين هى قواعد عامه تلائم كلا النوعين.

كما أنه لو أن طرفى النزاع لم يلجأ لقضاء التحكيم لفض النزاع التجارى يكون المختص في الحالتين هو القضاء الوطنى سواء كانت منازعة مدنية أم تجارية (2)

كما أننا نود الإشارة إلى أنه عند المفاضلة بين محكمة نشأة الالتزام التعاقدى ومحكمة تنفيذه، فقد ذهب البعض إلى عقد الاختصاص لمحكمة تنفيذ العقد باعتبار التنفيذ هو العنصر الأساسى في العقد.

بينما ذهب البعض الآخر ونحن نؤيده إلى ترك الأمر لصاحب الشأن لاختيار المحكمة التى تتناسب مع مصالحه(1).

خلاصة هذا المبحث أن:

أن الاختصاص التحكيمي في عقود التجارة الدولية يخضع للعديد من المعايير، التى يحكمها سلطان الإرادة لدى المتعاقدين، كما أن الفقه قد قسم الضوابط العامة للاختصاص القضائي إلى نوعين ضوابط موضوعية وضوابط شخصية ويمكن أن يتفق المتعاقدين على عقد الاختصاص لمحكمة معينه، وهو ضابط الخضوع الأختيارى وفى هذه الحالة يتم إعمال هذا الضابط دون الأثنين الأولين، لأنه عند ذلك لايكون هناك مجال لإعمالهما لوجود إرادة للمتعاقدين يجب إعمالها.



  (33) أنظر، د/عز الدين عبد الله، القانون الدولى الخاص، المرجع السابق، ص 710

  (34) أنظر، د/ بدرالدين عبد المنعم شوقى، المرجع السابق، ص 101

  (35) أنظر، د/ بدر الدين عبد المنعم، نفس المرجع السابق، نفس الموضوع السابق.

  (36) أنظر، د/ عز الدين عبد الله، القانون الدولى الخاص، المرجع السابق.

  (37) أنظر، د/ بدر الدين عبد المنعم، المرجع السابق، ص 712

  (38) لمزيد من التفصيل أنظر د/ بدر الدين عبد المنعم، المرجع السابق، ص 102

  (39) أنظر، د/ عز الدين عبد الله، المرجع السابق، ص 713

  (40) أنظر د/ فؤاد عبد المنعم رياض، د/ ساميه رشاد، الوسيط فى القانون الدولى الخاص، بدون دار نشر، 979، ص 438، د/ عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله الناصر، المرجع السابق، ص 2143 

  (41) أنظر د/ عز الدين عبد الله، المرجع السابق، ص 714 

  (42) أنظر د/ بدر الدين عبد المنعم، المرجع السابق، ص 105

  (1) أنظر د/ أحمد عبد الكريم، المرجع السابق، ص 121.

  (2) أنظر د/ بدر الدين عبد المنعم، المرجع السابق، ص 103

  (1) لمزيد من التفصيل، أنظر د/ بدر الدين عبد المنعم، المرجع السابق 


 

 
أنت هنا: Home البحوث القانونية تسوية منازعات عقود التجارة الإلكترونية المطلب الثالث: الضوابط الموضوعية للاختصاص القضائي في مجال عقود التجارة الدولية